أسطورة العراق الجديد إبراهيم الساعدي*

أسطورة العراق الجديد

إبراهيم الساعدي*


من بين ما يدورُ في أذهان العراقيين المساكين في السنوات الماضية هو “فكرة الــعراق الجديد” الذي كانت ولا تزال الأمل الوحيد الذي ينتظرونهُ بفارغ الصــبر، وهم كلــــما أرادوا أن يغضّوا الطرف عن هذهِ الفكرة برهة من الزمن، شاهدوا المُلصقات الانتخابية القديمة التي ما زالت ملصقة على الجدران والكتل الكونكريتية- مدونٌ فيها – ” إنتخبوني من اجل عراق جديد” !!
وإذا ما إلتجئ المواطن المسكين إلى ناحيةٍ أخرى لعلهُ يرتاح قليلاً – ظــــهرَ المسؤولون أمامهُ على شاشات التلفزة يتوعدون ببناء العراق الجديد ” الخالي مــــــن الفساد الإداري والسياسي والمالي والأخلاقي ” والذي يسودهُ الأمن في كل أرجاءهِ – عـــــــــــلى حد ما يزعمون !. والغريب في الأمر إن المسؤولين – كلهم – كلما ظهروا على شاشات التلفزة أو كتبوا في صحفٍ تحدثوا عن الفساد الإداري والمفسدين ! إذ ن من الفاسد ؟ هل الـشعب العراقي هو المفسد الحقيقي ؟هل الشعب من يسرق أموالهُ ويصّفي حساباته على حساب دماء الآخرين ؟

فإذا كان المسؤولون بهذهِ النزاهة والحرص الذي يظهر من خلال كلامِهم فمن المُفسد أو الفاسد ؟
إن أسطورة العراق الجديد، على ما أعتقد هي ضربٌ من ضروب الخيال،أو قد لا أكون متشائماً بهذهِ الدرجة من البشاعة لأصححَ تصوّري لأقول أنها بعيدة المدى، أو صعـــبة المنال!. فالـــــعراق الجديد الذي يلهجون بهِ أينما ظهروا هو عراق خال منهم – هذا احد شـــروطهُ – وخال من الإحتلال، أما مع وجود هذين الأمرين فلا جديد ولا عراق!

إن المُلاحظ للملصقات الإعلانية التي كانت تلصق على الجدران يجد أنها تضــــعُ فكرة العراق الجديد في أمدٍ قريب، ألا وهو حينَ تسلم هذا المرشح زمام الأمور ” عند جلوسهِ على الكرسي”، وهذا كما يعرفهُ الكل هو جذبٌ لصوت الناخب تتخذهُ القائمة أو المـرشح وسيلة لنيل الأغلبية الساحقة وبالتالي حــــــــصولهِ على الكرسي الذي أتعبهُ وأتعب أهلهُ مــعهُ.ولا شكَ أن العــــــراقيين أدركوا هذهِ اللعبة القذرة من حيث الوعود الكـــــاذبة لان هذهِ اللعبة إذا نجحت مرة لا أمل َ في نجاحِها ثانية في ظل تزايد الوعي السـياسي والثقافي والإجــتماعي لدى الـــــــمواطن العراقي.حيث هذا الوعي إضافة إلى الخبرة الاجتماعية والمدة الزمنية التي حكم بها هؤلاء – السياسيون – عراقنا الحبيب والتي إمتدت – لـحد ألان – ستــة سنوات عجاف ( 2003/ إلى نهاية 2009) كلها أعطت للمواطن العـراقي الإحساس بل الشعور المُخيّب لآمالهِ وطموحاتهِ التي كان يتربــصُ تحقيقها عند تســــلم هؤلاء السلطة، وهذا ما دفعهُ لانتخابهم طبعا.إن الشــــــــــــعب العراقي اليوم بحالةٍ من الاستعداد الجيد لخوض إنتخاباتٍ جديدة بعيدة كل البعد – على ما أعتقد – عن التخندقات الطائفية والحزبية.وهذا ما لوُحظ في إنتخابات مجالس المحافظات، حيث رأينا بأم أعيننا آلاف المرشحين وهم يــــخطون شعارات التـــــفاؤل ببناء العراق الجديد، والقضاء على الفساد الإداري والمالي، وتــــــعيين العاطلين عن العمل. إلا إن كلَ خــــــــزعبلاتهم هذهِ ذهبت أدراج الرياح. إذ لم ينتخب الشعب أياً منهم وكانت النــــــــــتيجة – الأغلبية تقريبا – لصالح إئتلاف دولة القانون.حيثُ وجــــــــــدَ العراقيون في هذهِ القائمة بصـــيصَ أمل بسيط مع إمك انية تحقيقهِ – إضافة إلى إن دولـــــة رئيـس الوزراء نوري المالــكي حظي بتقدير وعطف ومحبة الشعب ولا أبـــالغ حين أقول إنهُ إمتلك قلوبَ بعض المــــــواطنين ممن كانوا يدعون ليلَ نهار لعودة الأمــــن والقـــضاء على الفتنة الطائفية، وهو ما تحقق تدريجياً وما زال كذلك.أرجو أن لا يفهم القارئ اللـــبيب إنني من أنصار الســـيد المالكي أو اتباعه والعياذ بالله، ولست ممن يروّجون له، إلا إنها الحــــــقيقة المـــــــرة التي لا بد منها.ونحن إذ نقول هذا لا نعزو كل عوامل النجاح في شخـــــــص السيد المالكي.الحقيقة أن هناكَ عدة عوامل ساعدت على نجاح خـــطابه السياسي، رافقهُ تحـــــسن في الوضع الأمني، وهذا ما فرح العراقيون به.

إن المواطنَ العراقي اليوم بحاجة ماسة إلى من يفي بوعودهِ ويطبقـها على ارض الواقع، وبحاجة إلى من يحقق آماله. أما محاولة التلاعب بعقول العراقيين بمجرد شعاراتٍ مزيفة – وان كان قد حصل سابقاً– فأنهُ لا يحصل في الانـــــتخابات القادمة.كما إن اللـجوء إلى رعاية الشباب – وتوزيع كارتـات الرصيد وتوزيع المــــلابس والأطعمة قبل الانتخابات على المواطنيين – لا يجدي نفعاً لأي قائمةٍ أو شــــخص أو حزب. فالمواطن أدركَ هذهِ اللعبة واخذ يتمتع بشئ من الملابس والكارتات قبل الإنتخــابات دون إنتخاب من تفضلوا عليهِ بهذا الفضل.

لربما كانت مسؤولية بناء العراق الجديد تقع على عاتق الإئتلاف العراقي الـــــــــموحّد السابق- إلا إنه لم يفلح في هذا الأمر، بل إهتم بصـــــــــــراعاتهِ مع الأطراف السياسية الأخرى، كما إنشغلَ بأمور تافهة وغير مجدية، والبعـــــــض أنستهُ السياسة والمناظرات وتبادل التهم والسُباب مع خصومهِ خدمة شعبه، وهذا ما فوّت عليه ” الائتلاف” فرصة فوزهِ ثانية في الإنتخابات القادمة – وهذا هو الأفضل.

قد أكون مُخطئاً عندما أتحدثُ عن المستقبل – وأتنبأ بخـــــــسارة قائمة الإئتلاف العراقي الموحّد – إلا إن قراءة عميقة للشارع العراقي تقر بهذا الأمر، والفائز كما تفيدنا قراءاتنا واستنتاجاتنا هو إئتلاف دولة القانون.لأسبــــــــابٍ يعرفها الجميع.كما إن الشعب العراقي إمتعضَ كل الإمتعاض حين رأى أن الائـــتلافَ العراقي الموحد يعود اليوم بنفس الوجوه – دون تغيير- وكأنهم يأبوا أن يتنازلوا عن الكـــــــــــــــــــرسي أو عن الراتب والسلطة والنفوذ “أولئك هم أص حاب النفوس الضعيفة”. لذا فأن فكـــــرة العراق الجديد كانت وما تزال ضربٌ من ضروب الخيال، أو أملا بعيد الــــــمدى.فالمبادئ لم تتغير، والوجوه لم تتغير، والنفوس لم تتغير…….. إذن ……. العراق لا يتغير !!

إن إمكانية الإقرار بهذا الموضوع – موضــــوع التغيير- قد يكون من الجائز الحديث بهِ بعد الانتخابات القادمة، أو معرفته من خلال الواقع الذي سيشهدهُ العراق بعد الانتخابات دون الحديث بهِ اصلا.وهذا ما أنتظرهُ بفارغ الصبر.

إن أسطورة الـــــعراقُ الجديد لم تتحقق بعد، ولا تتحقق إلا بعد أن تتغير الوجوه، وتتغير النفوس، وتتغير البرامج والمبادئ السياسية، ويزداد الوعي السياسي عند المواطن وعند المسؤول. حينذاك يُمكننا أن نتحدثَ عن بناءِ العراق الجديد.أما الـــحديث بهذا الموضوع مسبقاً فأنهُ يعد من قبيل الخزعــبلات وتمضيه الوقت – لا غير !!، لكن لنقنع أنفسنا الآن ونقول إن أسطورة العراق الجديد، ستـــــــحدث يوماً ما.إذن هي على أية حال تقع ضمن دائرة المستقبل، والمُستقبل آت.
ـــــــــــــ
* كاتبٌ عراقي، باحث انثروبولوجي

Advertisements

فكرة واحدة على ”أسطورة العراق الجديد إبراهيم الساعدي*

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s