فنونة مجنونة و عودة لزمن الشعر الجميل بقلم : حسين راشد

فنونة مجنونة و عودة لزمن الشعر الجميل

بقلم : حسين راشد

في قلعة من قلاع مصر الثقافية و تحديداً في قصر ثقافة المحلة الكبرى وبحضور كثيف من شعراء و أدباء المحلة الكبرى و لفيف من شعراء أقاليم مصر من دمياط و القاهرة الإسكندرية و كفر الشيخ و الدقهلية أقام الشاعر وائل سويدان بصحبة المطرب والملحن فايد عبد العزيز ليلة من ليالي الشعر الجميل في حب الوطن , أعادتنا هذه الليلة تلقائياً إلى زمن الفن و الأدب و الثقافة و تفاعل الشاعر و الأديب بنبض الشارع كما كان يفعل فنان الشعب سيد درويش, ليحاكي أوجاع الناس و همومهم في قطع أدبية و غنائية تمس روح وقلب وعقل المتلقي فيتفاعل معها حسياً , هذا اللون الذي أندثر من الساحة لمدة طويلة بفعل التغير الإعلامي والثقافي الذي اعتمد على استيراد قوالب بعيدة كل البعد عن ثقافة الشعب المصري ليقدمها تباعاً على شاشات التلفاز … فغيرت شكل الأداء و أسلوب الإلقاء و لا شك أنها أيضاً قد غيرت الشكل الدرامي للشعر و الموسيقى , و لكن الشاعر بهذه “الحالة” قد أعاد ذاكرتنا لثقافتها الأصيلة رغم عصريتها التي لا تفسد هذا الجو بل تعطيه مساحة أخرى للاحترام , فليس من مهمة الإبداع الثبات على قالب معين ولكن الواجب على المبدع استخراج قوالبه من ثقافته و تطويرها بشكل يتناسب و يتماها مع ثقافة الشعب و الأرض التي يعيش عليها , و لا شك أن الشاعر و المطرب قد وصلا لهذه النقطة التي تحسب لكلاهما في تطوير شكل الحكي الشعبي بالشعر و الموسيقى, بما يناسب ثقافة التلقي, من بداية الليلة التي قال صاحبها واصفاً إياها أنها “حالة” و هذه الحالة على رأي كاتبها تنوعت و تمحورت في عدة نقاط أساسية يشعر بها المواطن البسيط و يكاد أن يكون الشاعر قد تحدث بلسان البسطاء من هذا الشعب  في أغلب الأغاني التي تفاعل معها الحضور و كذلك في أبيات الشعر التي ألقاها بشكل درامي ليؤكد على ما وصفه بالـ ” حالة” فقدم للمتلقي نبض شديد الخصوصية والعمومية في آن واحد , بدء حالته الشعرية الموسيقية في البدء .. كان النيل جرئ .. صاحب قرار.. و هنا اللغة الشعرية قد تكون أعلى ثقافياً عن البسطاء و بعيدة شيئاً ما عن المستهدف شعرياً من الكلمات لأنها جاءت  بصياغة أدبية يُخيَّل لمن سيتابع الكلمات أنه سوف يتكلم بلسان المثقف الذي يبحث عن كلمات رنانة لا تصل إلى قلب و عقل المتلقي فإذ به يدخل على ما يعانيه المواطن البسيط من قلة ذات اليد , فيقول في أغنية من أغنيات الحالة ” الفول بيصرخ في القدرة ..م اللي بيجرا .. صعبان عليه عندي و عندك .. يصبح ذكرى .. الفول بيصرخ و ينادي .. قال يا خرابي .. هيحرموني من أصحابي شفايف الفقرا ” و لا شك أنه هنا تملكت منه الحالة الاجتماعية للمواطن المصري المعدم و الذي لا يجد ما يسند جوعه سوى هذا ” الفول” الذي كان في الماضي يسمى ” أكلة الفقراء” فإذ به يدخلنا في صراع غلاء المعيشة بهذه الكلمات ليعبر عن مكنون المواطن البسيط الذي لا يبحث عن الأمور السياسية بقدر ما يبحث عن “قوت يومه” و الذي لا يبتعد كثيراً عن هذا “الفول” الذي يغنيه عن شراء ما لم يقدر عليه و يستغيث كي يجد حلاً لهذه المعاناة , فما فوق هذا الفول لا يستطيع الفرد العادي أن يحصل عليه لضيق ذات اليد , فإذ غلاء الأسعار يتنمر و يهدد فقراء البلاد بحرمانهم من هذا الفول الذي جعله الشاعر يصرخ في ” القدرة” , و تأتي شكوى الكاتب من الجنيه الذي عام بقوله ” جرى أيه يا جنيه .. عمال بتتطوح كده ليه . دلوقت ما تجيبش قزوزة و لا تشترى زرار في بلوزة .. ثم يأتي الوجع مرة أخرى حين يتكلم عن القمح الذي هو الأخر ساند الفول الذي جعله الشاعر صاحب وقفة حين جعله يقف في صف الغلابة بقوله ” القمح بيطلب حق لجوءه لجوف الفقرا ..”  و تسير الحالة من موضوع إلى موضوع ليصل إلى أنه يرفض مسألة التطبيع  , وإن كان الشعر قد اتخذ شكلاً من أشكال المعارضة السياسية في بعض الأحيان إلا أن الفن في رسالته و قلم الكاتب الحقيقي من أهم و أخص خصائصه هو معارضة كل السلبيات التي تطفو على وجه المجتمع و البحث و التنقيب عن هذه السلبيات ويقدمها في أعماله كي يحذر من عواقبها التي قد تؤدي إلى ضياع القيمة المجتمعية و في أغلب الأحوال تؤدي إلى ضياع “الهوية” و الانتماء , وفي قلب الحالة الشعرية يحملنا الكاتب لمسألة عميقة و هي إحساس القلم أنه متبع دائماً بمقص الرقيب, فيقول “قبضوا على قلمي و عصبوا له عنيه ..و في أول المحضر سألوه بتصرخ ليه…  وقبل ما يفكر سلم عليه مخبر.. استيكته شمع أحمر ..ما بتفارقش أيديه ”  جعل الرقيب في قصيدته – قلم رصاص –  عبارة عن” مخبر استيكته شمع أحمر ما بتفارقش أيديه” دخل بنا إلى قضية من القضايا المثارة على الساحة الفكرية و هي قضية العولمة ,   و بهذه الكلمات و هذا الأداء الذي ينم عن وعي شديد بقيمة الشعر المحاكي للزمن الكاتب و الذي يعد بمثابة مشرط الجراح الذي يفتح مكاناً في جسد المريض ليخرج ما به من أوجاع , تعامل الشاعر بهذه القريحة بشكل يتناسب و يتماها مع مكنون نبض الشارع و يجب أن أشير إلى أن الأدب في مصر في مراحل شتى قد همش المتن و متن الهامش و استسهل الكتاب كتابة الوجع دون إبداء وجهة النظر في كيفية الخروج من هذه السلبيات , و هي من الأسس التي يجب أن يعلمها كل صاحب قلم في كل مناحي الكتابة ,ولا شك أن هذه الحالة الشعرية التي ختمها الشاعر بحمله لعلم مصر مرفرفاً فوق الرأس لدليل على أن المعارضة الشعرية هدفها أساساً هو الوصول إلى الانتماء لهذه الأرض الطيبة المباركة . و على أمل أن يعود الفن و الأدب المصري بهذه المحاولات الجادة لريادته المعهودة عنه , و بسواعد فكرية معاصرة تحمل هم الوطن و المواطن . والحديث لا ينتهي,

فللحديث دائماً بقية

حسين راشد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s