أضواء على زيارة الرئيس الأسد لتركيا \\بقلم: زياد ابوشاويش

أضواء على زيارة الرئيس الأسد لتركيا

بقلم: زياد ابوشاويش

شهدت العلاقات السورية التركية نمواً مذهلاً خلال السنوات الأخيرة على كافة الصعد خاصة بعد تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا وازدياد الإقرار الدولي بالدور السوري المحوري لاستقرار المنطقة ونجاح خطط التنمية فيها.

الزيارة التي قام بها السيد الرئيس لتركيا الأربعاء الماضي توجت جملة الزيارات التي قام بها عديد المسؤولين من كلا البلدين للآخر وعلى كل المستويات، ورغم خصوصية الزيارة ارتباطاً بالشهر الكريم وبدعوة للإفطار على شرف الرئيس في العاصمة التركية إلا أن الزيارة لها طابعها الخاص والهام للغاية، ولم تقتصر على المجاملات أو الإجراءات البروتوكولية، بل عالجت الكثير من الملفات التي تنتظر دفعها للأمام وإنجاز ما تم الاتفاق عليه في العديد من الاتفاقات بين البلدين خلال الزيارات السابقة للمسؤولين السوريين والأتراك والذي تجسد في اتفاق التعاون الاستراتيجي بين البلدين كما توقعناه تماماً قبل الزيارة ناهيك عن الإنجاز الكبير وذي الدلالات الهامة بإلغاء تأشيرة الدخول بين البلدين “شام غن” حسب تعبير رئيس الوزراء التركي الذي رحب بالسيد الرئيس وأثنى على العلاقة بين البلدين بطريقة مدهشة وبمستوى رفيع من الفهم واللغة المناسبة لأهمية هذه العلاقة وضرورتها للبلدين الشقيقين حسب تعبيره.

غني عن القول أن ما يجمع تركيا وسورية ندر توفره بين أي بلدين في العالم بحكم الموقع الجغرافي والتداخل الطبيعي بين تضاريس المنطقة الحدودية الممتدة على مساحات شاسعة ناهيك عن التاريخ المشترك والمصالح المشتركة وأنهر دجلة والفرات والعاصي والأسود وعفرين، والأهم وجود عدد كبير من الأتراك من أصول عربية في تركيا وبالمثل وجود عدد من السوريين من أصل تركي في سورية وهو ما يؤكد حتمية التقارب والترابط بين الدولتين الجارتين بخلاف العديد من المسائل والعناوين التي سنتناولها في هذا السياق.

إن زيارة الرئيس الأسد لتركيا قد أكدت جملة الخصائص والسمات التي تميز العلاقات السورية التركية كما قدمت لهذه العلاقات حيوية أعلى في ظل الجو الحميمي الذي استظلت به الزيارة والعلاقات الإنسانية الطيبة التي تجمع بين سيادته والسيدة حرمه مع الرئيس التركي ورئيس وزرائه وعقيلتيهما.

الزيارة حققت أهم الأهداف المشتركة والتي تمهد الطريق لغد أكثر إشراقاً للشعبين التركي والسوري وعموم المنطقة والإقليم وستجمل وتلخص كل المرحلة السابقة للانطلاق لمرحلة جديدة تكون فيها آلية النمو في هذه العلاقات بلا حدود كما يريدها الطرفان.

الزيارة وما مثلته يمكن فهم معانيها وإدراك أهميتها من خلال الجوانب التالية:

أولاً/ العلاقات الثنائية والمصالح المشتركة

تمثل تركيا الشريك الأكبر للقطر العربي السوري تجارياً وتصل الاستثمارات التركية في سوريا لأكثر من ثلاثة مليارات دولار تتركز في أغلبها على القطاع الصناعي ذي الناتج الأعلى والأفضل، والذي يحقق أكبر فائض قيمة يعود على سورية بالنفع ويساهم في تقدمها الصناعي كصناعة الإسمنت والنسيج بالإضافة للصناعات المشتركة، وتشارك سورية وتركيا في مشاريع تصل كلفتها إلى 50 مليار دولار لربط شبكات وخطوط الغاز والنفط والكهرباء والنقل وسكك الحديد بين سورية والعراق وإيران وتركيا، إضافة إلى ربطها بشبكتي الكهرباء والغاز العربيتين، مع العمل لتكون سورية عقدة ربط مع أوروبا.

وقد أتى توقيع اتفاقية التجارة الحرة (واستطراداً المنطقة الحرة) بين البلدين ودخولها حيز التنفيذ في مطلع عام 2007 ليؤكد على هذا الاتجاه في العلاقات المشتركة. وتعتبر تركيا من أكبر الدول المستوردة من سورية ويبلغ حجم التجارة بين البلدين ملياري دولار ومرشح للوصول لخمسة مليارات في السنوات القليلة القادمة. الأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل يتعداه ليشمل كافة الجوانب الأخرى في الثقافة والزراعة والفن والسياحة وحتى في العلاقات الاجتماعية الذي حال التوتر السابق دون نموها وتواصلها الطبيعي وهي تشهد اليوم تطوراً هائلاً وغير مسبوق.

لقد تم عقد ثلاث ملتقيات ومؤتمر على مستوى رفيع من أجل بحث العلاقات السورية التركية ووسائل تنميتها ورفع العوائق أمامها ليؤكد بالغ الاهتمام الذي يوليه الجاران لتحسين هذه العلاقة والوصول بها لمستوى استراتيجي قادر على تغيير وجه المنطقة الأمر الذي عبر عنه السيد الرئيس بشار الأسد أكثر من مرة وفي أكثر من لقاء.

إن تفصيل كل ما يتعلق بالتعاون الاقتصادي وغيره من المجالات غير ممكن في مقال أو حتى عشرة مقالات لكن يمكننا القول أن هناك ورشة عمل بدأت منذ عدة أعوام من أجل الوصول بهذه العلاقات إلى أعلى مستوى بين البلدين وعلى قاعدة قناعة مشتركة وقيم وأسس راسخة تقدم النموذج المطلوب شعبياً وحكومياً لتحقيق غايات إنسانية عظيمة في مقدمتها رفاهية الناس وإحساسهم بالأمن والسلام في عموم المنطقة.

ثانياً/ المواقف المتطابقة تجاه العلاقات الدولية وقضايا المنطقة والسلم الدولي

تركيا الأكثر ميلاً للشرق في ظل الحزب الإسلامي المعتدل في تركيا والتي نجح قادتها في تخفيف بريق الانضمام للاتحاد الأوروبي على حساب تاريخها ومعتقدات شعبها لعبت دوراً إيجابياً هاماً في التصدي للعدوان الصهيوني على لبنان وغزة بالمعنى السياسي والإعلامي وكان لحكومتها ورئيس وزرائها مواقف شجاعة تنسجم مع الموقف السوري والعربي بالعموم، وقد انسحب ذلك على موقف تركيا من قضية السلام في المنطقة وعودة الحقوق العربية بما فيها الجولان السوري المحتل كشرط لهذا السلام، وهذا أيضاً ينسجم ويتطابق مع الرؤية السورية للسلام. إن الموقف التركي من الحقوق الفلسطينية ومن قضية إنهاء الانقسام الفلسطيني خاصة يشكل نموذجاً طيباً للموقف الدولي المفترض من هذه المسائل ويقدم الأرضية المناسبة لتعاون سياسي سوري تركي تم التعبير عنه في قبول الجانب السوري وثقته في الوساطة التركية بين سورية و”إسرائيل”، وقد عقدت مبا حثات غير مباشرة بينهما برعاية تركية.

إن المسألة والمشروع الذي طرحه الرئيس الأسد لخلق رباعية تضم تركيا وسورية وإيران والعراق وربطها بإحكام عبر مجالات تعاون استراتيجية متعددة كأساس لعلاقات مستقبلية تخلق واقعاً جديداً ورابطاً موثوقاً مع أوروبا غرباً وروسيا والصين ومنابع النفط في بحر قزوين وعموم أسيا في الشرق يمثل الرؤية الأهم لسورية فيما يتعلق بمستقبل العلاقة مع تركيا وهو ما يمكن أن يدفعه قدماً للأمام تطورها بين البلدين وكانت زيارة الرئيس أهم محفزٍ لها.

وفي السياق المرتبط بقضايا المنطقة ومشاكلها سنجد الكثير من نقاط اللقاء والتطابق في المواقف تجاه قضية الاحتلال الأمريكي للعراق الذي يذكرنا بالموقف التركي المشرف من رفض استخدام أراضيه لتسهيل هذا الغزو أو الانطلاق منها الأمر الذي تناوله الرئيس الأسد بالشكر والعرفان في كلمته الرائعة أثناء مأدبة الإفطار والتي لخص فيها الأساس الذي ستقوم عليه العلاقة بين سورية وتركيا بالتعاون والتضامن بين البلدين وما تحمله الكلمتان من المعاني والدلالات.

إن رؤية البلدين لطريقة معالجة الملف العراقي على أرضية إنهاء الاحتلال ووحدة الأراضي العراقية ووحدة الشعب العراقي بكل مكوناته يقدم فرصة مهمة من أجل تفاهم البلدين فيما يخص مستقبل التعاون الرباعي الذي تحدث عنه الرئيس الأسد.

وسنجد أمثلة كثيرة على القواسم المشتركة في رؤية ما يدور من صرا عات وتجاذبات على سطح الأرض في عناوين كثيرة لقضايا وأزمات متعددة هنا وهناك، لكن الأهم هي تلك المسائل والمشاكل المتعلقة بمنطقتنا مثل القضية الفلسطينية وقضية الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية حيث تلعب علاقات سورية وتركيا دوراً بارزاً في معالجتها بعد تطور هذه العلاقات باتجاه الثقة الكاملة والتعاون البناء.

ثالثاً/ الروابط المشتركة في المجال التاريخي والثقافي والإنساني

بخلاف الدول العربية لا توجد دولة يجمعها بسورية تاريخ وثقافة وحتى عاطفة إنسانية كما يجمع القطر العربي السوري وتركيا الجارة، وفي هذا الإطار وللحجم الهائل من هذه الروابط والعلاقات والتاريخ سنوجز في بضعة عناوين تشير لما رغبنا في تأكيده هنا، الأول التذكير بأن تركيا كانت وعلى امتداد قرون ثلاثة تحت حكم الخلافة الإسلامية الأموية في دمشق و العباسية في بغداد وما عكسه ذلك من تشابك مفاهيم وقيم لا زالت قائمة حتى وقتنا الحاضر، وكذلك وقوع العاصمتين العربيتين تحت مسؤولية مركز الخلافة الإسلامية العثمانية في اسطنبول لقرون أربعة عكست كذلك مفاهيم وقيم مشتركة لا زالت قائمة حتى اليوم، ويمكن القول أن حقبة الخلافة العثمانية برغم كل سلبياتها إلا أنها رسخت الكثير من القيم والعادات المشتركة ما زلنا نعيشها للآن وتجعل النظرة العربية لتركيا مختلفة عن نظرتها لغيرها من البلدان ويغذي الجانب الثقافي للقواسم المشتركة على هذا الصعيد، ويساعد في إزالة الجدران المصطنعة التي خلقتها خلافات وجهات النظر والبحث التركي عن سراب التقارب مع أوروبا.

وفي الجانب الإنساني يقع الكثير من عوامل التقارب والصداقة بين البلدين عبر عنها خطابان متميزان استمعنا إليهما في مأدبة الإفطار وتضمنا كافة القواسم ونقاط اللقاء المشتركة بين البلدين ووضعا أسس ومعايير راسخة لعلاقة وطيدة تحميها رغبة الشعبين وإرادتهما في بقاء علاقات الجيرة والأشقاء والدفء الانساني.إن العلاقات بين المؤسسات وفتح الحدود سيعكس نفسه في العلاقة بين الأفراد بالمعنى الانساني لكن الأهم من ذلك هو ما ذكرناه حول وجود عشرات الآلاف من الأشخاص والعوائل ذوي الأصول العربية السورية في تركيا، وآلاف السوريين من ذوي الأصول التركية في سوريا وكلهم تواقون لعلاقات منفتحة ووطيدة بين البلدين بكل المعاني وخاصة الاجتماعية الإنسانية حيث يلعب دفعهم بهذا الاتجاه دوراً كبيراً في تحسن العلاقات ونموها بين الدولتين.

وفي الختام فإن ما حققته هذه الزيارة من نتائج على صعيد بدء الخطوات الضرورية لرؤية الرئيس الأسد لمستقبل المنطقة وتعزيز التعاون والتضامن مع الجارة الأهم لسورية يمكن وصفه

بالإنجاز الاستراتيجي لمصلحة الشعب السوري والأمة العربية وستبقى هذه الزيارة علامة فارقة لحقبة طويلة من الزمن في تاريخ هذه المنطقة ومن أجل السلام والرخاء فيها.

Zead51@hotmail.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s