عبق الماضي وعفن الحاضر\\محمد علي الحلبي

عبق الماضي وعفن الحاضر

العبق كما هو معروف ينسب إلى الطيب و المسك ومن شدة حبنا له وتعلقنا به يصبح لصيق القلب لا يفارقه والقدامى استعاروا الصورة ليقولوا عبق الشيء بقلبي      ,      والعفن نقيضه ويدل على الفساد والاسترخاء والتفتت عند المس به وهما حالتان شموليتان يشترك إحساس الكل يهما دونما تمييز بين فرد وآخر أو بين مجموعة وأخرى , فالإحساس بالسعادة والمسرة  صفة تلازم عشاق فوح الريح الطيبة الموجودة في النسيم أو النساك العباد في توقهم لريح الجنة  وعلى العكس فالنتن و البخر والروائح الكريهة يهرب الواحد منها وينفر مبتعداً عنها باحثاً عن ملاذ عطر .

جميلة هي الرحلة إلى الأيام الماضية … في التاريخ قديمه ومتوسطه وحديثه زادها الوله            المتزايد للمعرفة ولا شيء غيره ففيها عودة دائمة متجددة للروح لمن تأصلت فيهم الروح الإنسانية ولم تعد تفارقهم , أمتنا العربية أصيلة في قدم تاريخها وقيمها وينابيع الخير التي فجرتها لكل البشرية وفي كافة المجالات وهي مصنفة في لائحة قدامى النشأة وأصدق دليل على ذلك لغتها المشتقة من أصوات الطبيعة والصور المرافقة لها وعلماء بدايات اللغات  يؤكدون أن التصرف بالصوت  بإضافة أحرف له    ,     لتعبر عن الأفعال المرافقة المشابهة لحركته والاشتقاق منه كانت بدايات اللغات , وعلى سبيل المثال فصوت فقفقة الماء المغلي اشتقت منه الأفعال فقأ فقع فقس فقص … ” لقد كتبت سابقاً بحثاً يفصل هذا الرأي في مقال بعنوان جمالية اللغة العربية ” ذلك مؤشرعلى عمق ماضيها , وعلماء التاريخ بأغلبيتهم ثبّتوا هذه الحقيقة من خلال الآثار التي عُثر عليها وما كتب فوقها من مؤكدات لقدم الأمة وجذورها التاريخية والبحث في هذه الجوانب جميعها يستحيل أن تحيط به وريقات معدودات لكن حصر موضوع الأصالة  في فلسطين وبيت مقدسها هو ما تقصدته هنا فمن عبق الماضي  يقول النبي سليمان عليه السلام في سفر نشيد الإنشاد المنسوب له وفي حديثه عن التواجد العربي في مدينة القدس ” وقد افتقدت هنا من أحبهم من العرب لم لا وهم أهلها  وكان من بني قيدار من هم حضر يسكنون الشقق والديار “

– سفر نشيد الإنشاد – سفر أرميا – سفر أشعيا

ولأن القدس الشريف عربية منذ القدم جاء في سفر القضاة في الإصحاح التاسع عشر من العهد            القديم عندما يعرض لقصة  ” اللاوي ” الإسرائيلي أثناء مروره بمدينة القدس ” يبوس ”

إذ قال الغلام لسيده تعال نميل إلى مدينة اليبوسين هذه ونبيت فيها فقال له سيده لا نميل إلى مدينة غريبة حيث ليس أحداً من بني إسرائيل هنا .

وفي أيام الحضارة اليونانية ينصف أحد المؤرخين ” بوليبوس ” العرب ويضيف ألفاً إلى أمجادهم مخصصاّ غزة بقوله ومن ثم معمماً رأيه وإنصافه على بلاد الشام لقد قال “

اعتقد من الصواب والعدل منح أهل غزة الشهادة التي يستحقونها رغم أنهم لا يختلفون عن أهل الشام من حيث البراعة التي أظهروها في العمليات الحربية فهم مع ذلك يتميزون بالقدرة والتعاضد المتبادل وبالأمانة للكلمة المعطاة فأهل غزة لهم شجاعة لا مثيل لها ولا يمكن تجاوزها فعلاً , ففي عهد الغزوة الفارسية 542 – 529 قبل الميلاد حيث كانت عظمة ملكهم ترهب الشعوب الأخرى والجميع يسلمون أنفسهم وأوطانهم إلا أهل غزة فقط هم الذين جابهوا الخطر معرضين أنفسهم لمحاصرة العدو والرد عليه ويستمر المؤرخ في عرض مآثر هذا البلد منهياً كلامه ” يجب أن أذكر بالإشادة بأهل تلك المدينة جميعاً الذين هم بالمسيرة والمبدأ اعتادوا القيام بأعمال نبيلة .

وفي مطلع القرن الماضي يروي المفكر النمساوي ” ليوبولد فايس ” وبكلمات بسيطة في تعابيرها غنية في مضامينها فلقد أمضى ستة وأربعين عاماً متجولاً في الأراضي العربية والإسلامية وفي إحدى رحلاته من الإسكندرية في القطار إلى مدينة يافا ماراً بغزة يريد زيارة القدس ينقل صور الروعة بقلمه في مذكراته وهو يتفحص حركة الناس ونقاء سريرتهم قائلاً      ” عندما يقف القطار في محطة صغيرة كان الأولاد السمر يظهرون للعيان وعلى أجسادهم خرق بالية يحملون السلال وفيها التين والبيض المسلوق وأرغفة الخبز الطازج يعرضونها على المسافرين ويتابع أن بدوياً كان يجلس قبالته يفتح الشباك فإذا به دقيق الوجه اسمر اللون واحد من تلك الوجوه الصحراوية التي تذكرك بالصقور حيث تتطلع دائماً إلى الأمام بتصميم وعزم ويبتاع رغيف خبز ويستدير ليقسم هذه الكتلة قسمين قدم احدهما له قائلاً تفضل فأخذ من يده وشكره بإيماءة من رأسه وأمام بساطة هذا الموقف يقول أن البدوي أثار فيه حب الخلق العربي وان يتأثر به غاية التأثر الذي شعر على الرغم من جميع حواجز الغربة بصداقة رفيق عابر له فقاسمه الخبز وفي ذلك نفحة إنسانية ولما وصل القطار إلى غزة ودعه رفيقه العربي بابتسامة لطيفة

انه من أهل هذا البلد العريق بكل نبل وأصالة وعند وصوله في القطار إلى القدس الشريف في خريف عام 1922 وكان يحمل فكرة غزتها الصهيونية ونشرتها وهي بأن فلسطين لا يسكنها إلا اليهود أما العرب فهم رحل يأتون على الجمال ويسكنون بيوتاً وخياماً يمكثون في الصحراء فترات ثم يرجعون إلى بلادهم  ,  لكن المفاجأة تهزه عندما يرى أن المدن مليئة بالعرب وان فلسطين في الحقيقة بلد عربي وان اليهود وهم أوربيون بدليل شقرتهم وعيونهم الزرق , ويؤكد قناعته أن فكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين فكرة مصطنعة – المرجع من دراسة لعبد الباقي أحمد خلف –

والقدس من المدن القديمة العريقة بأصول ثابتة في التاريخ عبر الأيام فلقد أسسها سالم اليبوسي الكنعاني العربي عام 3500 ق.م وقد احتلت وقاومت وصرعت الأعداء وصُرعت وأعيد بناؤها ثماني عشرة مرة في التاريخ ومن أسمائها : ” يبوس ” نسبة إلى اليبوسيين وهم بعض من بطون العرب وملك الكنعانيين ” ملكي صادق ” أسماها بـ ” أور سالم ” بعد بنائها أي مدينة السلام وحورت في اللغة العبرية إلى ” أورشليم ” وأور مدينة في بابل مسقط رأس إبراهيم الخليل وشليم اسم واحد من عشرات الآلهة القديمة إنما كلمة ” شالوم ” فتعني بالعبرية السلام  ,  واليونان أسموها ” بروساليم ” والرومان ” هيروساليما ” وبقيت تعرف باسم ” ايلياء ” حتى الفتح الإسلامي وتعددت أسماؤها فكانت الأرض المباركة والساهرة وبيت المقدس والأرض المقدسة والزيتون والمسجد الأقصى

والشاد لرحاله إلى هذه المدينة المقدسة وهي المحاطة بالجبال من جهاتها الثلاث الشرق والغرب و الجنوب عليه أن يتوقف طويلاً على ذرى جبل الطور أو جبل الزيتون الواقع في شرقها حيث يعتقد أن المسيح عليه السلام صعد من هذا الجبل إلى السماء ويسمى هذا الجبل في التلموذ بجبل المسيح أو التتويج وسبب هذه التسمية أن زيت الزيتون يستخدم في تتويج الملوك , والرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم أسرى  من حائط البراق لقوله تعالى ” سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير “

و عن بركة الله قال مجاهد ” سماه مباركاً لأنه مقر الأنبياء وفيه مهبط الملائكة والوحي ” والمباركة في اللغة العربية تعني التفاؤل بالشيء وفق ما جاء في معجم المحكم والمحيط الأعظم ولمزيد من الاعتزاز والفخار ومن وضع رحاله على جبل الطور يرى في الجنوب جبل المكبر وفي ذروة من ذراه قبر الشيخ أحمد بن عباس وهو من المجاهدين الذين اشتركوا في فتح القدس مع صلاح الدين الأيوبي ذلك الرمز المعبر عن الجهاد لتحرير المقدسات في العصور الوسيطة .

إنها جديرة بحمل الاسم لنقاء تاريخها وسمو أهلها وطهارتهم فلقد جاء في تعريفات معجم لسان العرب : القدس تنزيه الله تعالى وهو القدوس , والقدوس من القدس وهو من الطهارة وهو الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص وقيل للجنة ”  حضيرة القدس  ”

وأئمة التفسير وتحديداً في تفسير القرطبي للآية الكريمة في قوله تعالى ” والتين والزيتون وطور سنين ” – سورة التين الآية 1 فقد روي عن قتادة وعن كعب أن هذا القسم الإلهي كان بالتين وهو الجبل الذي عليه دمشق والزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس وفي صحيح البخاري قال البراء رضي الله عنه : صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً  ,  وقال عبد الله بن عمر ” لقد  رقيت       على ظهر بيت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على لبنتين مستقبلا         بيت المقدس لحاجته  ” فالرجاء والطلب من الله جلت قدرته مستحب عند التوجه للأقصى .

والرسول عليه الصلاة والسلام وفي حديثه عن بيت المقدس قال ” ائتوه فصلوا فيه – وكانت البلاد إذ ذاك  حربا  –   فإن لم تأتوه وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في   قناديله       ” – من سنن أبي داوود

وزوج الرسول ا م سلمه تقول ” إنها سمعت رسول الله يقول من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر “

وينهل من هذا الفيض الرباني أبو داوود فيقول رحم الله     وكيعا          أحرم من بيت المقدس وفي القديم كان أهل بلاد الشام غير القادرين على الذهاب الى مكة يحجون الى القدس

وتستمر حلاوة التعبير الوصفية فمؤلف كتاب ” التوقيف على مهمات التعارف ” محمد عبد الرؤوف المغاوي 952 – 1036م يقول ” القدس طهارة دائمة لا يلحقها نجس باطن ولا رجس ظاهر ”

والسلطان العثماني عبد الحميد الثاني 1842 – 1918م وهو الذي رفض إغراءات اليهود بمنحهم وطناً قومياً على الأرض المباركة يقول في مذكراته السياسية ” أما القدس فهي المدينة المقدسة الثالثة بعد مكة والمدينة وهي محاطة من جميع جهاتها بالمسلمين ” وكل ما قيل ضمام رياحين غرسها أهل القدس وأبناء فلسطين في كل شبر من أراضيها نتنسمها أبداً لتحي فينا                الأمل في هذه الأيام الحالكة التي اشتد سوادها فباتت الأخبار السيئة المؤلمة تطرق آذاننا يومياً تاركة ندبا في قلب كل عربي ومسلم , فتاه بعضهم بين اليأس والرجاء ,

ويطل قلم الوزن والقافية ليروي في موزون الشعر ما يجري حالياً لبلد الطهر فالشاعر خليل مطران يقول :

سلاما على القدس ومن به                             على جامع الأضداد في ارث حبه

على البلد الطهر الذي تحت تربه                      قلوب غدت حباتها بعض تربه

والشاعر أحمد محرم يصف كيف أن معقل الحق لم يعد يعصم الأرواح قائلاً :

في حمى الحق ومن حول الحرم                    أمة تؤذى وشعب يهتضم

فزع القدس وضجت مكة                              وبكت يثرب من فرط الألم

ومضى الظلم خلياً ناعماً                               يسحب البردين من نار ودم

يأخذ الأرواح ما يعصمها                             معقل الحق إذا ما تعتصم

كانت رحلة إلى بعض من شواهد الماضي لتزيد من اعتزازنا كعرب به لكن ما نراه اليوم من عفن زكمت روائحه أنف كل فرد منا وضاقت حالنا وباتت الآلام تعتصرنا

إنه الموقف بين أعداء الأمة وبين من ادعوا التصدي للدفاع عنها فعلى الجانب الإسرائيلي يتأكد يوماً إثر يوم التمسك بالمنطلقات الثابتة لسياستهم والتصعيد المستمر لمطالبهم المتزايدة بينما الأنظمة العربية الرسمية أدمنت واعتادت على تقديم التنازلات منذ أن بدأت المشكلة الفلسطينية والاحتلال بل تمادوا أكثر في الأيام  الأخيرة فلم تعد التنازلات تكفي بل أصبحت انزلا قات        خطيرة تهدد مصير هذه الأمة ولتأكيد التباين بين الموقفين فأشعيا احد أنبياء اليهود يقول ” بالوجوه إلى الأرض يسجد لك ويلحسون غبار رجليك ”  ” بنو الغريب يبنون أسوارك وملوكهم يخدمونك تتفتح أبوابك دائماً ليؤتى إليك بغنى الأمم وتقاد ملوكهم  ”          ” يقف الأجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حراثيكم وكراميكم أما انتم فتدعون كهنة الرب تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم تتآمرون “

وجميعنا مازال راسخاً في أذهانهم القبول العربي لقرار التقسييم ومن ثم السكوت على  ما ضمته  ” إسرائيل ”  من أراضٍٍ احتلتها قبل موافقتهم على الهدنة عام 1948

وانحدرت التنازلات للقبول بعودة الأراضي التي احتلت عام 1976 وراح ” النضال السياسي ” يتقدم وبسرعة وتسارع كبيرين في مضمار تقديم ” الهدايا ” فكانت اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل واتفاق أوسلو واعتراف المنظمة بشرعية الاحتلال لـ  77% من الأراضي الفلسطينية والتعهد بعدم اللجوء للقوة وصادر الإسرائيليون 86.1% من أراضي القدس واسكنوا فيها ربع مليون ” مغتصب ”

لقد صادر العدو واثر حرب 1967 أراضٍ حول القدس ففي 28/06/1967 أنشأ الحي اليهودي وتابع الاستيلاء على أكثر من 50% من مساحتها وأقام عليها 50 ” مغتصبة ” وقبل التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد عام 1980قدمت وثيقة تتضمن إزالة المستوطنات خلال ثلاثة أشهر رفضها بيغن بينما ” أبطال الواقعية السياسية ” وقعوا على اتفاق الخليل الذي يقسم المدينة إلى قسمين قسم يهودي في وسطها  وفيه الحرم الإبراهيمي وقسم عربي يشمل الجزء المحيط بالمدينة والقسم اليهودي أحدث من أجل 400 ” مستوطن ” وراحت المشاريع تنهال بشأن بناء الهيكل , تم ذلك في عام 2000 في اجتماع ضم الرئيس عرفات وباراك رئيس وزراء العدو والرئيس كلينتون انحصرت المناقشات بأن تكون سيادة يهودية على الأرض تحت المسجد الأقصى أو بالاشتراك مع المسلمين بجزء من حرمه أو حتى بناء المعبد اليهودي على أعمدة فوقه فواجه الرفض الفلسطيني هذا الطرح ورفضه , لكن ظلّ التعنت ” الإسرائيلي  ” السمة المميزة له وبشكل دائم .

فنتنياهو وبين عامي 1996 – 1998 كان رئيساً للوزراء قال يومها : سياسة الاستيطان تستند إلى أفكار التسوية النهائية وهي وسيلة هامة لتحديد حدود إسرائيل والحفاظ على الأرض وتوفير بناء ” المستوطنات ” على طول الشوارع الالتفافية ويجب أن تتطور على جوانبها وليس على رؤوس الجبال وفي 21/03/1997 أعلن خطة نقاطها :

  1. إعطاء الفلسطينيين 45 – 50 % من أراضي ” يهودا والسامرة ” أي الضفة الغربية من غير أن يمس ذلك بالمناطق الحيوية ومناطق الغور – بين الأردن وفلسطين – والقدس الكبرى وأغلبية المستوطنات
  2. عدم التنازل عن السيادة الكاملة للقدس

و جديده الآن ما اعتمد من خطة لوزارته الحالية بـ

  1. طالب ببدء المفاوضات على الفور ودون شروط مسبقة
  2. رفض فكرة وقف بناء المستوطنات
  3. وافق على مبدأ فكرة الدولتين شريطة أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح وبلا سيطرة على المجال الجوي مع رقابة تمنع دخول الأسلحة
  4. الاعتراف بيهودية الدولة وهذا ينهي حق اللاجئيين الفلسطينيين بالعودة ويمهد لترحيل عرب 1948 من الأراضي المحتلة
  5. اعتبر القدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني

وهو ذاته الذي ألف كتاباً أسماه ” مكان تحت الشمس ” انطلق فيه من الرؤية الصهيونية عن أحقية اليهود فيما يسمونها بأرض  ” إسرائيل التاريخية  ” ويعلن أن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة والعنف وأن السلام الذي يمكن أن يقوم مع العرب هو سلام الردع

والموقف الأمريكي الذي لم يتبدل منذ اعترافه بعد ساعات بقرار قيام ” الدولة الإسرائيلية ” وفي تقديرنا أنه لن يتغير, وان تغير جزئيا بفعل عوامل إقليمية أو دولية  فسيكون أخيرا لمصلحة العدو  فالمصالح المشتركة في معاداة الأمة العربية من خلال إضعافها وتجزئتها ومتابعة التجزئة  – العراق – السودان – اليمن – ومنع تكاملها الاقتصادي وإيقاف كل تعاون عسكري بين أقطارها ستبقى جميعها المحرك للتعاون الاستراتيجي بين البلدين محافظين ما أمكن على الثوابت المتفق عليها وبالتالي سيبقى العداء مستمراً والمتفائلون بحل ” منصف قريب ” زمن الرئيس الحالي ” أوباما ” واهمون  .  فقد تحدث أثناء حملته الانتخابية عن التنازلات المؤلمة التي تقدمها إسرائيل من أجل السلام وأن الإسرائيليين يريدون السلام في حال وجود شريك فلسطيني مسؤول مؤكداً التزامه بالدفاع عن أمن إسرائيل ضد أعدائها وقد ساندها في عدوانها على لبنان عام 2006 معتبرا أنها في حالة دفاع عن نفسها ضد حزب الله , وهو ذاته رفض فكرة الحوار بين حماس والسلطة وفي حطاب له أمام المنظمة الصهيونية العالمية ” ايباك ” تجنب الحديث عن أي ضغط يمارسه عليها , كما أعلن دعمه للقدس ( غير المقسمة ) عاصمة لإسرائيل مؤكداً يهودية الدولة

أما الطرف العربي الرسمي المقابل فلقد أدمن على تقديم التنازلات والتراجع المستمر عن قراراته وحتى عن المواقف الجزئية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي وكانت المبادرة العربية    – رغم التحفظات عليها – العماد والطريق لإنهاء هذا الصراع وتضمنت بنودها :

  1. الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلت عام 1967 وذلك يشمل جميع الأراضي في فلسطين وسوريا ولبنان
  2. القدس عاصمة للدولة الفلسطينية
  3. حق عودة اللاجئين الى أملاكهم وأراضيهم
  4. تطبيع العلاقات بعد تنفيذ المبادرة

لكن تباعاً سقط عنوان العودة وراحت التصريحات الرسمية ومعها بعض أجهزة الإعلام تتحدث عن البحث في إمكانيات تحقيقه لا بل بدأ وبدون خجل القول بتوطين اللاجئين في البلدان التي لجؤوا  إليها بينما ابتلاع الأراضي ما زال مستمرا من خلال التوسع في بناء المغتصبات أضف إلى ذلك فلم يعد يشر ولو بالإشارة الى الأراضي السورية واللبنانية المحتلة

وفي الآونة الأخيرة تركز الحديث حول تجميد بناء ” المستوطنات ” عدا القدس حيث يبقى الإصرار على استمرار البناء والخلاف  هنا بين الإدارة الأمريكية وإسرائيل فقط على مدة التجميد هل هي لسنة أو لستة أشهر بغية إعادة المفاوضات بين السلطة وإسرائيل على نقاط مشروع أمريكي جديد يضاف الى مئات المشاريع التي قدمت مازال مجهول المحتوى والثمن المطلوب للتجميد المؤقت أمريكيا تطبع العلاقات وهكذا فالمبادرة العربية بات المطلوب تطبيق البند  الأخير منها وغابت باقي البنود حذف منها ما حذف وترك بعضها   لتيه            المباحثات والضياع في متاهاتها حيث طال عمره , والاهم والمهم أن التطبيع بدأ ت ملامحه استجابة للإملاءات على عدة أصعدة وبأشكال مختلفة   تناسى   من أقروا ذلك  إصرار العدو على تهويد القدس والاستمرار بالبناء فيها وتهجير أهلها تنفيذاً للقرار الذي اعتبرها عاصمة أبدية لدولة الأعداء رافق ذلك صمت عربي رسمي فلم يسمع لا من مسؤول ولا من الجامعة العربية حتى القول برفض ما يتم أو التمسك بالشرعية الدولية التي أكدت بقراراتها منذ عام 1979 وتحديداً

  1. قرار مجلس الأمن 446 لعام 1979 الذي اعتبر أن الاستيطان ونقل السكان غير شرعي
  2. القرار رقم 452 لعام 1979 الذي يقضي بوقف الاستيطان في القدس وعدم الاعتراف بضمها
  3. القرار رقم 465 لعام 1980 الذي طالب بتفكيك ” المستوطنات ” تبعه القرار 478 في ذات العام وفي ذات التوجه

والمتتبع للأحداث الجارية بأبعادها المحلية والإقليمية يرى أن التطبع جارٍ وسيطبق تدريجياً ووفق الرغبات المعادية إلا أن الموقف السوري الذي رفض وزير خارجية هذا البلد التطبيع لا في حال تجميد ” المستوطنات ” أو حتى وقفها يدعو إلى التفاؤل والأمل , يضاف إلى ذلك والألم يعتصرنا أن القدس بقدسيتها وقيمتها التاريخية وعروبتها باتت على أبواب الضياع إن لم تبتلع وفق المخططات الموضوعة

تركيا البلد المسلم يرفض وزير خارجيتها زيارة ” إسرائيل ” لأنها لم تسمح له بزيارة غزة وبلد عربي يستقبل رئيس وزراء العدو صاحب الكتاب السيئ الذكر ” مكان تحت الشمس “

لقد توسع العفن في أركان السياسات الرسمية وفي مقدمتها الصمت المطبق للسلطة الفلسطينية والاستمرار في اعتقال المقاومين والتنسيق الأمني مع العدو والإسهام في حصار غزة وفاحت روائحه النتنة وبينما تحي إيران الدولة المسلمة الاحتفال بيوم القدس داعية الجميع لجعله يوماً يكون عنواناً لإعادة الحقوق نرى جهات رسمية تحاول تحويل الصراع باتجاه إيران بدل ” إسرائيل ” مستغلة المآخذ على السياسات الإيرانية المتبعة سيما في العراق

والأمل ما زال معقوداً بجماهير الأمة العربية أولاً وبالجماهير المسلمة المؤمنة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ” لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يغرهم من خذلهم ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة”

فالجهاد قائم والقدس عربية والعودة قادمة وحصار المرتدين لأهل غزة سيرتد عليهم والعفن زائل والعبق لا بد أن يعود

محمد علي الحلبي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s