أمريكا وعسكرة الحلول السياسية\\د.مهند العزاوي

أمريكا وعسكرة الحلول السياسية

مقال بقلم : د.مهند العزاوي

تتسارع عجلة الزمن وتنحسر الخيارات العقلانية لتفكيك الأزمة العراقية الى عناصرها الأولية, كي تشكل قاعدة انطلاق للخروج من الأزمات التي تعصف بالعراق والمنطقة, وتنهار مخططات التقسيم على صخرة الإرادة العراقية , حيث يخوض العراقيون أشرس صراع عرفه التاريخ لنيل الاستقلال , وهو صراع متشعب عسكري وسياسي وإعلامي واقتصادي يستهدف العراق وشعبه, كما أن الصراع حسم استراتيجيا وفقا للمعطيات والحقائق ذات البعد الاستراتيجي والتي تشكل انعكاس للتخبط والاضطراب الأمريكي الذي تتسق سياسته العسكرية والمخابراتية مع ممارسات الكيان الصهيوني القمعية في فلسطين, الذي ما برح ينخر ويدمر المنظومة الوطنية العراقية , كان للعراق قبل الغزو منظومة علمية وثقافية هي الأكثر تقدما في العالم العربي، بصرف النظر عن شكل الدولة, حيث كانت هناك منظومات وطنية للرعاية الصحية والتعليم العام، والرعاية الاجتماعية، فضلا على مستويات غير مسبوقة في موضوعة المساواة بين الجنسين, وخدمات أساسية رغم الحصار الاقتصادي الذي فرض عليه طيلة 12 عام وهذه طبيعة الحضارة العراقية المتقدمة في أواخر القرن العشرين حيث كانت بغداد قبلة العالم العربي من حيث الثقافة والفنون والعلوم والتعليم ويطلق عيها “جمجمة العرب” قبل تدميره في الغزو الأمريكي عام 2003.

يعد القادة السياسيون والعسكريون عادة لكل حملة عسكرية هدف استراتيجيا يسمى “الانجاز النهائي” ويخضع هذا الانجاز الى معايير الربح والخسارة والكلفة والمردود ويسعى لتحقيقه وفق مراحل وأدوات ومنظومة تشريعات باستخدام عدد من التكتيكات لتحقيق بيئة مناسبة لقبولها , وعلى سبيل المثال أن ملامح الانجاز النهائي في العراق هي:-

  1. احتلال العراق ميدانيا بالقوة العسكرية – أنشاء شبكة قواعد – إرساء قدرة مكتسبة .
  2. تغيير البني التحتية الماسكة بالقرار السياسي واستبدالها بهياكل ومنظومات ذات صبغة سياسية طائفية وعرقية حادة معززة بمنظومة مستشارين1,كي تؤمن التأثير  المباشر على الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية وفق النظام الجديد للتجزئة والتقسيم.
  3. إرساء مؤسسات هشة بديلة للمؤسسات الوطنية الرصينة لتحقق إرادة ومصالح ومخططات المحتل وغالبا ما تتسق بمفاهيمه وتعاليمه مما يجعلها غير مرحب بها اجتماعيا وجماهيريا لهشاشتها مهنيا واضطراب أدائها وعدم تجانسها وبالأخص من الناحية الوطنية.
  4. إرساء منظومة تشريعات وقوانين لتحقق “السيطرة المستقرة الثابتة”التي تغنيها عن استخدام القوة العسكرية (دستور – منظومة قوانين قمعية – تشريع قوانين تتعلق بثروات العراق- أنشاء محاكم ذات طابع سياسي – شبكة معتقلات – حل القوات المسلحة – العلم العراقي – النشيد الوطني.الخ) وبذلك يتم اغتيال منظومة القيم الوطنية وإرساء منظومة بديلة .
  5. تغيير التركيبة السكانية عبر حملات التهجير المنظمة لفرض ديموغرافية تتسق مع مخطط التقسيم عبر حملات التصفية الجسدية المنظمة والاغتيال السياسي (حرب الأشباح) والتي تنفذها فرق الموت والقوات الخاصة الصهيونية والعمليات الخاصة والأفواج الشبحية بشكل مباشر وأخرى تنفذها المليشيات الطائفية والعرقية التي حصدت أرواح الكثير من العلماء والسياسيين والضباط وشيوخ العشائر والكفاءات والنخب العراقية (الطبقة الوسطى) – تعد التصفية الجسدية لأي فرد عن طريق الاغتيال أقصى شكل من أشكال الإرهاب.
  6. عقد عدد من الاتفاقيات العاجلة وعلى سبيل المثال “اتفاقية مركز القوات SOFA)) “Status of Forces Agreements”2:- يطلق عليها في العراق “الاتفاقية الأمنية” وتطلق عليها وسائل الإعلام العراقية “اتفاقية الانسحاب” وبالتأكيد أن اتفاقية الجلاء تختلف جذريا عن اتفاقية مركز القوات SOFA)) والأخيرة تنظم حال القوات الأمريكية والقواعد العسكرية في ذلك البلد المضيف والذي يفترض تنظم فيه بيئة سياسية وأمنية مستقرة ترتكز على إرادة جماهيرية تتسق مع مصلحة العراق العليا.

استخدم الرئيس الأمريكي اوباما منذ توليه الرئاسة خيار القوة الناعمة والذكية في معالجة الملفات المعقدة التي خلفتها الإدارة السابقة , ويبدو أن الدوائر السياسية والعسكرية ومراكز الدراسات في الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تنظر الى الملفات الإستراتيجية المعقدة وأبرزها العراق وأفغانستان بنظرة تعتمد على المنظار العسكري والتفوق الحربي التقني (الحسم العسكري بالقوة الصلبة), ويفترض أن جميع الخيارات متاحة في معالجة الملفات السوداء التي تعصف بأمريكا, والظاهر من ملامح الإجراءات العسكرية ذات المنحى الاستراتيجي قد اختارت مؤخرا “عسكرة الحلول السياسية ” والتي ستجرها الى استمرار العمل العسكري في العراق وأفغانستان , وبالمقابل لم يترك خيار أمام الطرف الأخر سوى التشكيك بالانسحاب وإنهاء الحرب في العراق نظرا الى هشاشة الحل التي تتخذه الدوائر السياسية والعسكرية الأمريكية (عسكرة الحلول السياسية – استخدام القوة الصلبة) , خصوصا أذا علمنا أن الحرب اللامتماثلة تقود الى “حرب استنزاف” وهذا ما تقره الحقائق العسكرية وتجارب حركات التحرر الوطنية, وتشير الحقائق والمعطيات الإستراتيجية والعسكرية منها الى أن النزعة العسكرية الأمريكية قادت أمريكا الى حزمة ملفات متفجرة لتلقي بظلالها على منظومة المصالح الحيوية في الشرق الأوسط , ونستطيع أن نلمس ذلك من خلال الفشل العسكري والسياسي في أفغانستان حيث تسيطر طالبان على 80% من أفغانستان,وهناك عسكرة الحلول في العراق حيث لتزال البيئة الإستراتيجية (السياسية والاقتصادية والأمنية ) قلقلة ورخوة وتتجه الى الفوضى الشاملة, ويجري تحنيط العملية السياسية بشكلها الهش ورموزها الطائفية والعرقية المقيتة التي تغيير جلدها اليوم الى الوطنية في محاولة للتمسك بمكاسب مالية وفئوية وترسيخ الطائفية بوشاح الوطنية الكاذب , وتناور بتصدير الأزمات الجوهرية والفشل الى الخارج بدل من المعالجة الحقيقية التي تعتمد على تفكيك المعاضل الى عناصرها الأولية وإيجاد الحلول المناسبة لها وفق منظور وطني وموضوعي وعلمي باستخدام المنحى العقلاني الواقعي, ناهيك عن منح الحصانة للقتلة واللصوص السياسيين الذين يمارسون القمع والقتل والابتزاز ضد الشعب العراقي وبمنحى طائفي ويحجمون عن المسائلة القانونية لحجم الخسائر والتضحيات أذا ما قورنت بحجم الأنفاق والأكلاف المالية والبشرية التي أنفقت منذ الغزو ولحد الآن ودوامة الضحايا المستمرة بين قتل وتعذيب واعتقال, وليمكن أن نجد ضوء في نهاية النفق, ويتجه الشعب العراقي للعزوف عن أي عملية انتخابية قادمة كانعكاس لما يمارس ضده من إرهاب وقمع وطائفية مقيتة, وهناك أيضا تصدع في اللوحة الإستراتيجية الوسطى المتمثلة بالمصالح الحيوية والتماسك العسكري في الشرق الأوسط  والتي تلقي بظلالها على العراق, إضافة الى هناك ملامح لتراجع تماسك مجلس التعاون الخليجي والذي يمثل مجموعة المصالح الأمريكية الحيوية في الخليج العربي, ناهيك عن أزمة اقتصادية حادة في أمريكا والعالم وتراجع القدرة – جاهزية الجيش الأمريكي- كونه يخوض حرب ذات منحى اقتصادية منذ عام 2001 ولحد الآن في أكثر من عقدة إستراتيجية العراق – أفغانستان بآن واحد, ونحن نشهد انتعاش لأيديولوجيات راديكالية طائفية متشددة مغلفة سياسيا بالوطنية عبر رموز جاءت في غفلة من الزمن الى سدة الحكم في العراق لتذكي الفوضى والنزاعات, وبالتأكيد أن المشهد العراقي معقد للغاية من جميع النواحي في ظل غياب المنحى العقلاني وانسيابية الحل والتعامل مع الملفات التي تعصف به ,  ولا توجد بوادر انفرج دولي أو عربي بشان العراق خصوصا أذا علمنا أن الحرب ضد العراق شنت خارج أطار الشرعية الدولية وفق مبررات لا تتسق مع المفاهيم والقيم الدولية والقانونية منها وحتى الأخلاقية والإنسانية ويمكن وصفها “حرب الشركات بامتياز” ومن خلال ملامح المشهد الدولي والإقليمي والعربي يبدوا أن الولايات المتحدة حسمت خيارها باتجاهات خاطئة نحو “الحل العسكري” باستخدام الحسم العسكري وتجاهلت  الحل السياسي والإصلاح التدريجي المتداخل لحل الملفات العصيبة, ولا ملامح لحل سياسي محنك يعتمد المنحى العقلاني في حل أزمة احتلال العراق وإنهاء الحرب فيه ويتجه الى أضاليل الحل العسكري بدلا من التعاطي السياسي العقلاني وقيادة ثورة ناعمة للتغير لإعادة العراق الى مثلث التأثير بإجراءات تحقق الاستقرار السياسي يقود الى استقلال العراق وإنهاء الحرب والعنف فيه,ويبدو أن النزعة العسكرية لتزال تشكل محور السياسة الخارجية الأمريكية.

د.مهند العزاوي saqarc@yahoo.com

‏السبت‏، 26‏ أيلول‏، 2009

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s