خلّيه في القلب يجرح ولا يطلع لبرّا ويفضح \\أ. د. حسيب شحادة

خلّيه في القلب يجرح ولا يطلع لبرّا ويفضح
أ. د. حسيب شحادة
جامعة هلسنكي

هذا المثل برواياته مثل: خليه جوا القلب يجرح أحسن ما يطلع برا القلب ويفضح؛ خليه في القلب يجرح لا يطلع برا ويفضح؛ خليه على القلب يجرح لا يطلع ويفضح؛ خلي الكلام في القلب يجرح ولا يطلع لبرا ويفضح؛ شائع في شتّى المجتمعات العربية، من خليج البصرة شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، ومن جبال الأناضول شمالا إلى المحيط الهندي جنوبا. معناه واضح، كتمان عمل أو تصرف مشين (في العائلة) وتحمّل هذا الجرح الخبيء والأليم أفضل من إفشائه والتعرّض للفضيحة و”البهدلة وسواد الوجه” أمام الملأ. كل ذلك حفاظا على سمعة العائلة، الحمولة، القبيلة! كما يقال “الموت أحسن من الفضيحة؛ …فاحت رائحة الفضيحة” (إلياس خوري، كأنها نائمة. بيروت، ط. ١، ٢٠٠٧، ص. ١١٩، &#1 633;٩٧). مثل هذه الأنماط السلوكية الآخذة في التناقص قد تكون وراء نشأة مثل هذا القول “والمخفي أعظم”.
قد يجد المرء بعض الأمثلة الشبيهة بهذا المثل لدى شعوب وثقافات أخرى. ومن الأمثال الموغلة في القدم، نذكر أمثال أحيقار وبالعربية حيقار، الحيقار، ويعني “الأخ المحترم/الوقور” من القرن السابع قبل الميلاد. إنه رجل أشوري، حكيم وثري، عمل وزيرا ومستشاراً في إدارة مملكتي سنحاريب وأسرحدون، وكان تقيا مخلصا، إلا أن الحياة القاسية جازته شرّا عن خيره، بسبب وِشاية ابن أخته نادن، الذي تبنّاه. وقد اكتشفت مجموعة أمثاله الشهيرة على ورق البردى في جزيرة الفيلة (ألفنتين) بالقرب من أسوان عام ١٩٠٦/٧ وهي باللغة الآرامية، إحدى اللغات السامية الهامة. شذرات من هذه البردى ما زالت محفوظة في متحف برلين وهناك مخطوطات أخرى محفوظة اليوم في إنجلترا، مثل مخطوط رقم ٢٠٢٠ في مكتبة جامعة كمبردج.
وقد أثّرت هذه الأمثال والحِكم على الفكر الإغريقي وعلى الكتاب المقدس بعهديه، القديم والجديد (يُنظر مثلا في كتاب الأب سهيل قاشا، حكمة أحيقار وأثرها في ال كتاب المقدس، ١٩٩٦)، ومن ثم على الآداب العالمية. والأدب العربي القديم كان على عِلم بهذه الأمثال والحِكم، كما يُستشف من شعر البحتري مثلا. ومن المعروف أن قصة أحيقار بأجزائها الستة، كانت قد نُقلت إلى لغات كثيرة جدا، من ضمنها العربية، بقلم أنيس فريحة (أحيقار، حكيم من الشرق الأدنى القديم، بيروت ١٩٦٢، كتاب نادر اليوم) والعبرية بقلم أڤينوعم يلين عام ١٩٣٨ في القدس.
يلعب المثل في حياة الإنسان دورا معينا في الحياة الاجتماعية وقد يكون العرب ضمن تلك المجموعة من الشعوب التي يزخر فيها هذا اللون التراثي ويوليه العرب اهتماما ملحوظا. والمثل، كما هو معروف، بمثابة عُصارة تجربة شعب ما في جزئية حياتية معينة وفي فترة زمنية معينة. إنه نتاج جماعي وفي معظم الأحيان، لا يدرى المرء من يقفون وراء انتاج هذا المثل أو ذاك. كما أن للمثل معنى عاما فيه نصيب وافر من الإرشاد والحكمة والموعظة والتعبير عن موقف ما أو عقيدة ما، وهذا المعنى ليس محصّلة مجموع معاني كلمات المثل المعدودة. لا نحيد عن جادّة الصواب إذا ما قلنا إن للكلمة المنط وقة دورا محوريا في المجتمعات العربية، وصدق من قال “إن أمة إقرأ لا تقرأ وإن قرأت فبالأذنين”. تتّسم هذه المجتمعات بإسهال كلامي، لا توقفه حبّات الإيموديوم وشبيهاتها المتوفرة في صيدليات اليوم. وغالبا ما تُطعَّم أحاديث الناس اللولبية والأفقية بكم لافت للانتباه من معين الأمثال والأقوال المأثورة. وقل الأمر ذاته بالنسبة لاستخدام عبارات معلّبة جاهزة دون إعادة أي نظر في ماهيتها وكنهها ومدى ملائمتها لسياقات المحادثة المعاصرة. لا بد من التطلع إلى بناء جمل جديدة من الكلمات القديمة بل والسعي لصياغة ألفاظ جديدة تتطلبها الحياة المعاصرة.
هذه بعض الأمثلة لأمثال أحيقار:
عندما تتعلق البحيرة في الهواء وتطير الطيور بلا أجنحة ويُصبح الغراب أبيضَ كالثلج والعلقم حلوا كالعسل عندها فقط سيعقل الأحمق
صديق قريب أفضلُ من أخ بعيد
يا بني كل نصيبك ولا تقتحم نصيبَ أقرانك
يا بني مع عديم الحياء حتى الخبز لا تأكل
يا بني إذا سمعت كلمة سوء فادفنها في الأرض عمق سبع أذرع
كُل ممّا حولك ولا تمدّ يدك للغير
لا تغضب عندما يزدهر خصمُك ولا تفرح عندما يقع في مصيبة
الكلب الذي يترك صاحبَه ويتبعك ار جمه بالحجر
إذا سمعت سراً فليمت في قلبك
نقل الحجارة مع العالِم أفضلُ من شرب الخمر مع الغبي
مع الإنسان العاقل لن تضيع ومع الغبي لن تتعقّل
لا تسمح لقريبك أن يدوس قدميك كي لا يركب فيما بعد رقبتك
لا تُسرع إلى الغضب فالغضب يكمن في صدور الجهّال
طول البال خير من تكبّر الروح
أعمى العينين أفضلُ من أعمى القلب
لا تكن حلوا فيبلعك الناس ولا تكن مرّاً فيمجّك الناس
يا بني لا تكن عجولا كشجرة اللوز فإنها تزهر قبل كل الأشجار وتُطعم بعدها جميعا بل كن كشجرة التوت هادئا متأنيا فإنها تورق آخر الأشجار وتطعم قبلها جميعا
يا بني لا تذع كل كلمة ولا تفش كلّ سرّ، لأن في كل مكان عيونا وآذانا واحفظ لسانَك مراقباً، ولا تدعْه يدمّرك.
أعظم ما تراقب راقب فمَك وأغلق قلبَك على كل ما تسمعه، لأن الكلمةَ كالطيْر إذا أرسله الإنسانُ لن يستطيعَ اصطيادَه ثانيةً.
يبدو لي أن المثل قيد الحديث عنه دارج على ألسنة النساء بشكل خاص. يُقال عندما تشكو المتحدثة أمام أهل البيت عن تصرّف أو عمل قام به أحد أفراد العائلة وهو غير سليم، لا يتمشّى مع الأخلاق السوية ولا المنطق المعافى ولا الأعراف والقو انين المرعية. وأهل البيت كُثر في الغالب الأعم، إذ أن البيت يضمّ فروعا جمّة. بعبارة أخرى، يُصبح هذا التصرّف وكأنه طابو في قاموس الأسرة ويجب التكتم عليه كلية لئلا يتسرب، “لا سمح الله”، خارجها فيسبب الفضيحة لها ويخدش إباءها وعزّها المفترضَين. من مثل هذه التصرفات التي لا تبجّل فاعليها:
“أكل حقّ الآخر، على عينك يا تاجر، خلال عقود من الزمن بادعاء واه مثل شحّة المنتوج ومع هذا لا “يرفع يده” هذا اللصّ عن عقار فرد آخر من العائلة رغم مطالبته بذلك خطيا أكثر من مرّة؛ ردّ شخص يعمل في مصلحة ما أو في مكتب ما على محادثة هاتفية من خاله أو عمه أو جدّه أو شقيقه أو ابن عمته، والله أعلم: اتّصل بي غدا في المكتب في الساعة العاشرة صباحا لأجيبك على تساؤلك بخصوص حقوقك! وهذا الخال أو ذاك العم أو ذلك الجدّ وهلمجرا من ذوي القربى والقرابة البيولوجيين، يتصل بالشاب العنتري الأريب في الوقت المحدّد، ولا من مُجيب، لا من بعيد ولا من قريب! ألا يقال “الكذب ملح الرجال”؟ رجل قانون وكاتب عدل حقود وبه لوثة، يتفوق في اختلاق الأكاذيب الخسيسة ليحفظ ما تبقّى من ماء وجهه غير الآدمي، حاميها حراميها. مثل آخر: قيام كهل أ ناني وجشع من أفراد أسرة مويوءة بتبديل معالم عقار فرد آخر دون أي استئذان لا شفويا ولا خطيا منه البتة! والطامة الكبرى أن ذلك الفرد الأوّل الصنديد العربيد يظنّ، لا بل على يقين تامّ، بأن ما قام به هو عين الصواب ولبّ الحقّ لعيونه السود أو الزرق، إنه بذلك يحافظ على سلامة ذلك العقار من الانهيار لتخلخل الأحجار وعدم سقوطه على الجار ونشوب الشجار وبذلك يستحق كل الافتخار. وقاموس مثل هذه الشريحة البشرية المريضة مكوّن من الشتائم وبعض العبارات النابية، لا غير. شخص آخر أمضى معظم سنوات حياته في التعليم، ولا أقول في التربية، إذ أنه بعيد عنها بُعد الغرب عن الشرق، فهو يكذب على أهل بيته وعلى ذاته ويلوي الحقائق دون أن يرف رمش من على عينيه الوقحتين الثعلبيتين. هذا الأستاذ الألمعي يتنطح ويدّعي مثلاً إنه مستعد لدفع حصته في تكاليف تنفيذ مصلحة ما لأفراد عائلته مثلا رغم أن لا ناقة له ولا جمل في تلك المصلحة. وفي الآن نفسه لا تهدأ شفتاه في كل مناسبة سانحة للشكوى من أقرانه بأنهم لم يسددوا ما عليهم من دين ضئيل دفعه هو لمصلحتهم جميعا! وآخر وليس أخيرا في هذه المجموعة أو تلك يلقي أو بالأحرى يتمرغ بكليته في أح ضان الفساد والوشاية للإيقاع بأبناء جلدته مقايل بضعة دريهمات! ليس هذا فحسب بل ينصاع إليه آخرون ويبيعون الذمم بأبخس الأثمان، ينافقون، يكذبون، ويثرثرون ويعربدون كل مساء، وهم سفهاء حقا وبأمس الحاجة للعناية النفسية والعقلية؛ شخص يبذل أقصى مجهوده لإخراج شقيقه من السجن وبعد التسريح لا يتعرف هذا السجين على أخيه و”يلهطه”، كلام بل ثرثرة ونزر يسير من الفعل (أنظر كتاب د. هيلل كوهين، عرب طيبون، ٢٠٠٦، بالعبرية). أناس متعلمون حاملوا شهادات عليا، اجتازوا عقدهم الخامس ويقول كل منهم “إنني أصرّح أن هذا اسمي وهذا توقيعي وفحوى تصريحي صحيحة” والصحيح إبدال لفظة “صحيحة” بـ “إفك وزور وبهتان”. وليس من النادر العثور على شخص سلخ من عمره خمسة عقود ونيف عاش معظمها، وما زال في بلاد الغربة، في أوروبا الغربية المتقدمة وما تغيرت أخلاقه وتصرفاته فهو متلون كالحرباء أو كالطقس في بلاد الشمال، يكون اليوم صديق فلان وبعد فترة ينقلب عليه ويعاديه هو وأفراد بيته جميعا دون أي سبب موضوعي. وهناك “فرقع طزّ” غارق حتى أذنيه بالفساد والإفساد يتنطح ويعنفص قائلا: “سأقوم بتنفيذ كل ما كتبت وسأتصرف بالضبط كتصرف الآخرين إليّ إن لم يكن أكثر من ذلك. الأقوال عن الأشقاء والوالدين مكانها في المعجم فقط وفي أحسن الأحوال”. وبجانب هذا النمط البشري آخر يتوعّد ويختلق الأكاذيب ويطلق التهديدات الصبيانية اليائسة البائسة. يقول مثلا: في عرف بني قحطان أن القائم على عقار شخص آخر يحق له نصفه بعد مرور فترة زمنية معينة! إعمل منيح وزتّ في البحر، يقول مثل آخر. شخص ساعد قريبه مساعدة كبيرة في بناء منزله، قرض طويل الأمد وبدون أية فائدة، وإيوائه قبل ذلك في بيته وإيجاد عمل له ومجازاة على عمل الخير هذا يكتب ناكر الجميل “أنت ابتززتَ الآخرين مدة ٢٥ عاما وحاولت غدر الصغار كونك كبير العمر…”
أبعدنا المولى القدير من مثل هذه الشخوص المؤذية والتي لا تخاف الله. وهناك أمثلة لا حصر لها من حسد وغيرة وضغينة وموبقات ومثالب اجتماعية يعرفها كل قارىء. ببساطة متناهية أمامنا خواء أخلاقي وفكري ومنطقي وعاطفي متفش في مجتمعنا، وضع يُرثى له رثاء شاملا كاملا.
لا أحد يود نشر غسيله المنتن “المروح” خارجا! لا بأس في ذلك، ولكن لم لا نحرص على تبنّي الصدق والصراحة والمكاشفة حتى العظم والمنطق واستشارة ذوي العلم وا لتجربة والأخلاق السوية. إخفاء مظاهر الشرّ بأنواعه لا يساهم في حل المشكلة بل يعقّدها ويشعّبها ولا بدّ من المواجهة بحكمة وصدق وحزم وعقلانية لاجتثات جذورها. من الضروري إعطاء الكلمة المكتوبة مكانتها وترك القال والقيل دون رجعة.
ما قاله أحيقار قبل ألفين وخمسمائة عام ونيف ما زال حيا يرزق:
“لا تسمح لقريبك أن يدوس قدميك كي لا يركب فيما بعد رقبتك”
“أعظمُ ما تراقب راقب فمَك وأغلق قلبَك على كل ما تسمعه، لأن الكلمةَ كالطيْر إذا أرسله الإنسانُ لن يستطيعَ اصطيادَه ثانيةً”. حبل الكذب والإفك والتطاول قصير!
نضيف بدورنا: دع لسانك يعكس ما في قلبك بكل صدق وأمانة، وكن وراء كل كلمة تخرج من فيك واستشر أهل العلم والإنصاف واعمل بنصيحتهم! كن واحدا في السريرة والجهارة! وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟
ويحضرني تأثيل لكلمة “شاطر” يقضي بأن الإنسان المنعوت بهذه الصفة كان قد اكتسبها لأنه يشرط جيوب الآخرين ويختلس ما فيها من مال حرام. ما أكثر “الشاطرين” من هذا القبيل في كل جيل فهم يشرطون الذمم والأخلاق والفضائل!
صدق المرحوم حنّا سليم حنا مينه (١٩٢٤-٢& #1632;٠٨) في قوله “إن مقاومة البيئة هي وحدها قادرة على خلق الإنسان” (كيف حملت القلم. بيروت، ط. ١، ١٩٨٦، ص. ١٨٥، وينظر في سفر التكوين ٣٤:١-٣١، ٤٩:٥-٧). وورد في الحديث النبوي الشريف “طوبي لمن كان مفتاحا للخير مغلاقا للشر ، وويل لمن كان مفتاحا للشر مغلاقا للخير”
بعد كل هذا أهناك مسّوغ اليوم لهذا المثل التعيس ”خليه في القلب يجرح ولا يطلع لبرا ويفضح” أم أنه من الأنسب القول: “لا تخليه في القلب يجرح، طلعه لبرا وخليه يفضح”. هناك جمهور واسع لا يفكر ولا يدقق، إنه يصفّر ويصفّق!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s